Tuesday, April 28, 2009

محرم الحرام بين الشيعه والهندوس


نقلا عن


إن قصة استشهاد الإمام الحسين وآله والشعائر الدينية قد تطورت وساعدت على تكوين مجتمع شيعي في أوَد، هذه القصة التي كان يسمّيها فيشر Fisher « مثال كربلاء »، وقد تضمنت حقائق عن العدل والظلم، الحياة والموت (1). وهناك ظاهرة هامة وهي استجابة الشيعة في أوَد وكذلك السنة والهندوس لشهر محرم الذي تقام فيه شعائر الحِداد، وتعود أهميتها أيضاً إلى أنها هيأت علاقات اجتماعية ، وكانت الشعائر في شهر محرم تتميز بالمبالغة وذلك في عهد آصف الدولة. وفي عام 1784م ضرب الحاكم نفسه بعنف وذلك في العاشر من شهر محرم حتّى أن الدم أخذ ينزف بغزارة وسقط مريضاً، وكان مرافقوه قد فعلوا مثله خلال هذا الشهر، وكانت الاحتفالات من الأُبّهة بحيث يكاد تكون من الصعب تمييزها عن احتفالات الفرح (2) . وقد كان المسلمون في لكنو يوزّعون ماء الورد بدلاً من الماء وحده، في ذكرى العطش الذي أحس به الإمام الحسين ورفاقه حين عُذِّبوا، وكانت بعض السيدات يمنحن الحليب للناس في الطريق. وأقيمت إلى جوانب البيوت أماكن حيث يستطيع الناس المارّون أن يشربوا الماء ليطفئوا عطشهم (3). وفي أوائل عام 1800م كان نخبة القوم ذوي المراكز العالية لهم « إمام بارة »، بينما المتوسطون تقام احتفالات في بيوتهم الكبيرة (4) ، وأخذ بناء « الإمام بارة » ينتشر بعد ذلك في عام1820 وما بعدها. وكانت هذه الإمام بارة تُبنى بشكل دائري له قبة، وكان حجم هذه الأبنية يختلف تبعاً لثراء الباني، وكان تستخدم أيضاً لضريح للعائلة. وكان الضيوف يجلسون على سجاد قطني ممدود على أرض الإمام بارة، وكان هناك مكانان مقدسان، أحدهما المنبر والثاني الضريح، وهو أثر من ضريح الإمام الحسين في كربلاء، وكلا المكانين يتجه إلى الكعبة. وكان رواة المراثي يجلسون في بعض الأحيان، والبعض الآخر منهم يظل واقفاً، وذلك على درجات من الخشب المغطّى بقماش مذهّب أو قماش كبير ( لونه أخضر إذا كان يملكه سيد )، وعلى كل جانب من جانبَي النصب التذكاري لقبر الإمام الحسين يوجد صفوف من المطّرزات الذهبية أو الفضية، وهي ذات حواشي تعلوها شارات، وتوجد أكُفّ ذات خمسة أصابع تمثل « الأرواح الخمسة الطاهرة » وهي: محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، علي ، فاطمة ، الحسن ، والحسين عليهم السلام (5). وكانت هناك أشكال مختلفة من النُّصب التذكارية تبعاً لثراء الشخص الذي يملك البناء، وذلك في كل من: لكنو، دهلي، كلكته وحيدر آباد (6). وكان يوجد في الإمام بارة الكبيرة ( 14 ) ضريحاً من الفضة الخالصة لكل من الأئمة الاثني عشر، وواحد لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وآخر لفاطمة عليها السّلام (7). أما النُّصب التذكارية المصمّمة من أجل الإمام بارة فقد كانت إمّا من العاج أو الأبنوس أو خشب الصندل، وكان ثمن تلك الغير ثمينة والمصنوعة من خشب البامبو أو مواد أخرى ملونة يتراوح بين 2 ـ 200 روبيّة. وكان العمّال يصنعون هذه النصب في منازلهم ويحملوها في الشوارع (8)، ولم يكن مسموحاً للعمال والحرفيين أن يزوروا المكان دائماً، بل كان مسموحاً فقط لأقرباء الأشراف وأصدقائهم بذلك (9). وانتشر أنموذج الحِداد لدى الطبقة العالية من لكنو إلى المقاطعات الريفية من خلال البلاط الحاكم العالي في لكنو، وأصبح حكّام فَرّوخ آباد farrukhabad في أواخر القرن الثامن عشر من الشيعة، وكان علي خان من باتوامو Bhatwamu وهو من أصحاب الأراضي الكبار ( توفي 1815م ) في أوَد، أول سُنّي ( تعلّقدار ) يصبح شيعياً ويبدأ بممارسة طقوس الحِداد في مركز حكمه (10). وكان بعض زعماء الشيخ زاده في لكنو قد تحولوا إلى المذهب الشيعي أثناء حكم صفدر جنك Safdar jang، كذلك فإن محمد إمام خان ( توفي حوالي 1760م ) من مقاطعة محمود آباد في سيتاپور Sitapur تزوج امرأة شيعيّة من شيخ زاده، وتحوّل أحد أبنائه.. وهو محمّد مظفّر علي خان ( 1790 م ). إلى المذهب الشيعي، وكان قد ورث القسم الصغير من المقاطعة في بيليرا Belera ، وبارا بانكي. ورغم أن تحوله إلى المذهب الشيعي جعله يدخل في الدوائر الحاكمة في لكنو، إلا أنه واجه عداوة كبيرة من قبل والده وأقربائه الآخرين. وبقي القسم الأكبر من محمود آباد تحت حكم شقيق مظفر علي خان وكان سنياً واسمه إكرام علي خان ( توفي حوالي 1775 ). وقد حكم أحد أبناء إكرام وهو مصاحب علي خان مقاطعة محمود آباد من 1805 ـ 1819، واستولى على أكثر من 232 قرية وأنشأ علاقات متينة مع البلاط الحاكم في أوَد بدعمهم ضد المتمردين ، ورغم أنه بقي سنياً فقد بدأ بطقوس الحِداد على الإمام الحسين في بناءٍ داخل القلعة في سيتاپور Sitapur ، ولم يكن لديه ولد، فتبنَّت زوجته في عام 1836 ولداً من أحد فروع العائلة الشيعية Belahra ، وهو ( راجا نواب علي خان ) الذي عاش طويلاً في لكنو وأصبح مقرباً لبلاط ناصر الدين حيدر. وكانت ( محمود آباد ) وهي إحدى الأماكن الريفية الكبيرة في أوَد، كانت ذات حكم شيعي (11)، كذلك فقد كان راجا نانبارا وهو سني، يحتفظ بكثير من علماء الشيعة وكثير منهم من كشمير في مركزه وذلك ليقرأوا له مراثي للإمام الحسين (12). ويخبرنا الرحالة الأوربيون أن الفقراء والأغنياء كانوا على حد سواء يحتلفون بذكرى محرم، بل إن الشيعة حتّى في القرى كان يضعون علامة في بيوتهم هي رمز يشير إلى اليد الممدودة (13). وقد كتب روبرتس يقول: لقد كان كل شخص لديه مبلغ صغير من المال يوفّره لشراء الأدوات اللازمة لهذه المناسبة (14). وكانت تختلف الاحتفالات بين المظاهر البسيطة والمظاهر ذات الفخامة والأبهة (15)، وكان الأشخاص الذي ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة لا يستطيعون بناء إمام بارة مستقلة، فكانوا يُزخرِفون أفضل غرفة لديهم في مسكنهم لهذه الغاية ويستخدمون مواد رخيصة الثمن للتزيين (16). وكان الناس يوفّرون زيت المصابيح لهذه الغاية (17).


((( مجلس الحِداد )))


كان هناك من المراسيم الدينية الشيعية شيآن بالنسبة لشهر محرم :

1 ـ مجلس الحداد ( مجلس ) الذي يعقد في إمام بارة أو في مسكن خاص.
2
ـ الموكب ، وهو أقدم الطقوس ، فقد كان أصلاً في زمن الشيعة البويهيين في أوائل القرن العاشر في العراق ، وقد تطور أسلوب مجلس الحداد خلال الفترة الصفوية في إيران.

وفي القديم كانت الجموع من الناس تجتمع للبكاء على الشهيد الحسين (18)، وفي أوَد خلال أوائل القرن الثامن عشر كان الأشراف أو نخبة القوم يعقدون مجالس البكاء أو الحداد في الإمام بارة الخاصة بهم مرتين في اليوم خلال العشرة أيّام الأولى من شهر محرم ، أما مجالس المساء بأضوائها المتلألئة المنبعثة من قناديل لا تحصى وثريّات، فكانت أفضل المجالس، وكان المُضيّف وأقرباؤه يجلسون على الحصير بالقرب من النصب ، أما الضيوف فيزدحمون حيث يجدون مكاناً لهم . وكان المضيف يستأجر ( مولوي ) ليقوم بالقراءة في ذلك اليوم من نص فارسي يصف معاناة الإمام الحسين عليه السلام وأعوانه وأسرته في صراعهم ضد الأمويين. وكانت مثل هذه القراءات التي تتم بين أفراد الأشراف الذين يعرفون الفارسية في أوَد ذات تأثير كبير، وخاصة إذا بكى ( المولوي ) بإخلاص وعمق من منبره الذي يقف فيه (19). ولما كان هذا يتطلب فقط إلماماً بالفارسية فكان من الممكن أن يكون المولوي أحد العلماء أو أحد الأشخاص وربما كان غير متمرس بالعلوم بالدينية. وكان العلماء الكبار يعقدون مجالسهم الخاصة، وهذا ما كان يعرف باسم « حديث خواني ».، وقد وصف أحد تلامذة السيد محمد ناصر آبادي، وهو مجتهد رئيسي في لكنو في ذلك الحين، تلاوة هذه الأحاديث الشفهية عن الأئمّة مع الترجمة : « وجدته في العاشر من محرم يذكر المصائب التي وقعت في كربلاء، ويبكي بحرقة وكذلك أولئك الذين يستمعون إليه، ثمّ صعد إلى المنبر حافي القدمين، عاري الرأس والدموع تنحدر من خديه، وهكذا كان في تلك الأيام وبعد ذلك كان يذهب للمنزل وهناك يجتمع مع الناس » (20). وبعد القراءة بالفارسية وتدعى ( العشر مجالس Dah Majlis ) ، لأن النص يتألف من عشرة فصول ( فصل لكل عشرة أيام أولى من محرم )، ويعقب ذلك استراحة يوزع فيها ماء الورد على الحاضرين، كان البعض من نخبة القوم يدخنون النارجيلة خلال هذه الفترة (21). وبعد الاستراحة كان قرّاء الشعر يَتْلون المراثي الشعرية باللغة الأردية، وكان الجميع يفهمون حتّى الجهلاء أو الأميّين (22). وفي أوائل القرن التاسع عشر استخدم بعض رواة الشعر ما يشبه الغناء، إذ كان قراء الشعر يقرأون شعر المراثي لاستشهاد الإمام الحسين بعدة أساليب في الإلقاء والتنغيم، وكان العلماء يفضلون الأسلوب المتقيد باللغة ( تحت اللفظ خواني ( Taht al - lafz - Khani ، الذي يشبه إلقاء الشعر من قبل الشعراء. أما الأسلوب الآخر الذي يعود إلى بدايات النهضة الشيعية الثقافية في أوَد فكان يشتمل على ( سوز خواني ) Suz - Khani أو ترنيم المراثي. وفي عهد آصف الدولة، برز في هذا المجال ( حيدر خان ) وهو مغني كبير، كان يعلم سيد مير علي ويسمع في بلاط سادات علي خان ، وفي مثل هذه الأدوار كان الأسلوب الموسيقي ( Rajinas ) تبعاً للذوق، وكان الحرفيون والعمال والنساء سواء من الشيعة أو السنة أو الهندوس يحبون أو يفضلون الأساليب التي تعتمد أكثر على الموسيقى ، وفي زمن غازي الدين حيدر ( 1814 ـ 1827 ) قَدِم الناس من كل أنحاء أوَد إلى لكنو خلال شهر محرم على أمل سماع النائحة الحسينية السيدة حيدر Lady Haydar وهي تنشد بعض المراثي الشعرية في بكاء الإمام (23)، وكانت النساء ينشدن المرثيات أمام الجمهور، رغم أن العلماء كانوا يحرمون مثل هذه الاجتماعات المختلطة ، وكان بعض الشيعة المتشردين يتوجهون إلى ( سيد ديلدار علي ناصر آبادي ) بالسؤال عن النوح بشعر المراثي، فكان يردّ بأن الاستماع لمثل هذا الشعر والبكاء على الإمام عليه السلام والحزن عليه بكل الوسائل، كل هذا له قيمته وثوابه ، فإذا كنت المراثي تُقرأ بصوت حزين فهي لا تشكل أي مشكلة ، ولكنه كان ضد الإعادة بالترنيم ( وتسمى بالفارسية ترجيع Tarji، وبالأردية Kathar، لأن هذا شديد الشبه بالموسيقى (24). ، وبعد تلاوة أبيات الرثاء ينهض الجميع ويعددون الخلفاء الشرعيين بعد النبيّ محمد صلّى الله عليه وآله وفقاً للشيعة وهم الأئمّة الاثنا عشرعليهم السلام ، وكانت هذه الطقوس تتألف من قسم الولاء للأئمة والتبرؤ من الخلفاء المغتصبين (25). وكانت مجالس الحداد تتضمن فترة تسمى ( مأتم )، وقد كان نخبة القوم من الشيعة يمارسون هذه الطقوس أيضاً، وقد كتبت مسز علي عن الاحتفالات لدى الطبقة العليا فقالت : « لقد شاهدت الدم ينزف من صدور رجال أقوياء يضربون أنفسهم وهم يهتفون: يا حسن! يا حسين! لمدة عشر دقائق وأحياناً لفترات أطول » (26).، وكتبت أيضاً عن العلماء وعدم استحسانهم الجلد بالسوط فقالت: « إن المولوية والملا ورجال الدين لم يكونوا يشترطون في ضرب صدورهم رغم وجودهم هناك ، فالعلماء كانوا من ناحية يستمرون بفترة الحداد والحزن أكثر من البقية من المؤمنين وذلك في فترة الـ 1820م وما بعدها 40 يوماً كاملة، ومع ذلك لم يكونوا يشتركون في موكب الحداد أو استعراض الحداد (27). وقد سُئل سيد محمد ناصر آبادي عن الجلد بالسياط في فترة الـ 1820 والـ 1830، فأجاب بأن العويل والضرب على الصدر من أجل المآسي التي تعرّض لها آل البيت مباح فقط في حالة عدم قدرة المرء السيطرة على نفسه (28). أما النساء فكنّ يشتركن في ذكرى شهر محرم، رغم أن قليلاً من الأميرات والنساء الثريات كان لهنّ إمام بارة خاصة، وإنما كانت تخصص أماكن في منازلهن مؤقتاً كإمام بارة للنساء فقط . وقد رأت مسز علي أن حزن النساء كان أكثر شدة من حزن الرجال، وذلك خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم ، بحيث أنّ النساء التقيات كنّ ينسينَ أحزانهن وهمومهم الخاصة خلال تلك الفترة ، وفي حيدر آباد شُوهدت النساء من الشيعة يضربن صدورهن كالرجال تماماً (29). وفي لكنو كانت النساء يتجنّبنَ لبس المجوهرات والثياب ذات الألوان البراقة وأطلقنَ شعورهن وارتدينَ ثياب الحداد السوداء، وبعضهم كنّ يلبسن باستمرار ولمدة عشرة أيام الثياب السوداء، وكانت خادمة مسز علي تصوم عن الماء طوال النهار. وفي المساء تجتمع النساء حول النصب التذكاري مع الأصدقاء من النساء وتجد العبيد والخدم يحيطون بالمُضيّفة (30). وكما هو الحال في المجتمع الشعبي فقد كانت النساء المتعلمات يترأسن هذه المجالس النسائية (31). وفي أوَد كانت النساء تنحدر من عائلات شريفة من السادة الفقراء، وكن يفتقرن إلى الدوطة كي يجتذبن العرسان من الطبقات الرفيعة من السادة، ولكن كن يرفضن قبول شخص دونهن وهذه كانت تتفق مع العادة المنتشرة بين الهنود المسلمين وهي عدم الزواج ممن دون المرء ولكن ممن هو أرفع شأناً ، وكانت النساء تعمل كمعلمات للقرآن الكريم لأبناء العائلات الشريفة، وكن يعلمن في منزل النساء اللواتي يستضفن الناس خلال شهر محرم ويأخذن أجرة وهدايا أيضاً، وكنّ يقرأنَ المجالس العشرة من شهر محرم بالفارسية، أما الشعر الخاص بالمراثي فكان بالأردية (32). وهكذا انتشرت شبكات المجتمع الشيعي وتطورت سواء من الذكور أو الإناث ، من الخاصة أو العامة ، وكان الأشخاص المشاركون في الحداد ينشرون الأخبار بين السكان في الجوار أو القرية ويشيعون جوّاً من الوحدة بهذه الأخوّة الدينية في كل مكان، وأصبحت لكنو مكاناً يأتي إليه الشيعة من كل أنحاء أوَد في شهر محرم.

((((( المواكـــب )))))

كانت مجالس الحداد في المنازل أو الإمام بارة، تقدم صورة عن الصداقة والأخوّة بشكل عام، فكانت الطقوس والمواكب تجلب الناس في الشوارع من كل مدينة كبيرة، بالاضافة إلى الزوار من القرى المجاورة. وبتطور هذه المواكب والاحتفالات تغزّز مركز المذهب الشيعي في أوَد، وأصبحت الطقوس المفضّلة في البلاط ، وكانت هناك نشاطات خاصة تميز كلاًّ من الأيام العشرة في محرم، ففي الأيام الأخيرة من الشهر الذي يسبقه وهو ذو الحجة، كان الرجال من الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة، وكان اليوم الاول من محرم يشهد سكوناً لا نشاطاً؛ إذ أن الدكاكين تُغلق، وتبدأ العائلات في الحِداد في منازلها ، وفي اليوم التالي كان الناس يعجبون بالإمام بارة التي أسست للأقطاب، وكانوا يزورون النُّصب الموجودة في بيوت أصدقائهم. وكان الأتقياء يَرَون أن مثل هذه الزيارات كطقوس دينية تعادل الزيارة المكلِّفة إلى كربلاء نفسها (33). وفي اليوم الثالث من محرم كانت النساء ترسل أطباق الحلوى إلى الأصدقاء والأقرباء ، مثلما ترسلها إلى العائلات الفقيرة في ذكرى وفاة الإمام عليه السلام . وكانوا يكرّرون هذا في اليوم السابع والرابع عشر بعد أوائل محرم (34). وفي اليوم الخامس من محرم كان المؤمنون يذهبون بمواكب من لكنو إلى ( رستم نكر ) Rustamnagar، حيث يُبارَك الأئمّة عند مقام العباس عليه السلام ، وقد شاهَدَت مثل هذه المواكب ( مسز علي ) فقد كان على رأس المواكب حراس يسيرون حول أربعة من الأفيال التي تحمل الرجال والشعارات الفضية والذهبية، وهناك فرقة تعزف الموسيقى الهندية. ثم يأتي بعد ذلك شخص في حداد يمسك راية سوداء عُلّق عليها سيفان، وخلفه يسير الشخص الذي يملك الشعارات مصحوباً بقراء الشعر وبعدد كبير من الاصدقاء، وكانت الأبيات الشعرية المختارة في هذا الموكب تخص مأساة « العباس ».، ثم يأتي حصان يمثل حصان الحسين دُلْدُل Duldul وهو حصان أبيض عربي، وكانت ساقاه ملطخة بالدم، وتظهر الرماح وقد وخزت كل جزء من جسمه، وكان في الخلف أصدقاء الأُسرة والخدم وبعض الجنود المشاة (35). وكان هناك ألوف آخرون من الأشخاص المحزونين توجهوا إلى المزار بشاراتهم، وكانوا يدخلون بخطوات سريعة من الفِناء، وكان خادم المقام يأخذ الشارة من كل شخص من المدخل الأمامي ويلمس بها الشارة الموجودة على نصب « العباس ». ثمّ يخرج وقد قدّرت المسز علي عدد أولئك الذين يدخلون في يوم واحد بحوالي أربعين أو خمسين ألف شخص (36).وفي اليوم التالي وهو السابع من شهر محرم كان يُحتفل بذكرى زواج القاسم بن الإمام الحسن إلى ابنة الإمام الحسين عليه السلام (37). وفي أوَد كان الناس يتذكرون الزواج ويمثّلون المراسيم . وبعد إتمام الاحتفالات كان علية القوم يوزعون المال على الفقراء، مثلما يُفعَل في الزواج الحقيقي (38). وكان الناس في الأنحاء الأخرى من الهند يُدخِلون تغييرات على هذه الطقوس ، ففي حيدر آباد في الجنوب كان رجل في بعض الأحيان يمثل شخصية القاسم ويجهزون لدفنه في الإمام بارة. وفي اليوم السابع من محرم كان الناس في تلك المدينة يلوّنون حصاناً يمثل حصان الإمام، ويكون مصنوعاً من الخشب ومزيّناً بالجواهر (39). وكانت قمة فترة الحداد في اليوم العاشر، وهو اليوم الذي يمثّل الذكرى السنوية لاستشهاد الإمام الحسين عليه السّلام، وكان الناس يذهبون إلى مكانٍ رمزيّ يمثل مكان دفن أبي عبدالله الحسين في ضواحي المدينة، ويسمونه كربلاء ، وكانت الطبقات العاملة في فترة حكم الصفويين في إيران تفضّل الاشتراك في مواكب الشوارع ، أما الأثرياء فكانوا يفضلون مجالس الحداد في الداخل (40). ومع ذلك فقد كان كثير من الأشراف يشتركون في مواكب الشوارع، وكانت لهم مراسيم مشابهة وعروض. وكانت هناك احتياطات أمنية في حالة الخوف من وقوع صراع أو شغب بين الشيعة والسنة (41). ويتخلل هذه المراسيم توقّفٌ لإلقاء المراثي، ويقوم المحزونون بجلد أنفسهم بالسياط على صوت دق الطبول. وكان الاغنياء من القوم لدى عودتهم إلى البيت يوزعون المال والثياب والطعام على الفقراء، وكانوا يَهَبون الحصان دلدل Duldul وما يكسوه من كساء فاخر إلى احدى عائلات السادة الفقراء (42). وفي عام 1820 كانت مراسيم الحداد في العاشر من محرم، وفي اليوم الثالث عشر بعد ذلك يبدأ الرجال في حلق ذقونهم، وتترك النساء ثياب الحداد ويلبسن المجوهرات، ويبدأ عامة الناس في مضغ التامبول مرة أخرى. ولا يستمر في الحداد إلا بعض الأشخاص الأتقياء جداً، فيستمرون في هذا الحداد لمدة أربعين يوماً (43). وفي عام 1808 حاول الباحث المهاجر ( آغا أحمد بهبهاني ) وهو إيراني ، أن يقنع الأشراف في فايز آباد بالاستغناء عن مسألة قرع الطبول التي تصاحب ضرب الصدور (44). وقد سأل أحد المؤمنين في لكنو رجل الدين الشيعي البارز سيد ديلدار ناصر آبادي (45) عما إذا كان من الصحيح استخدام الجياد التي ترمز لحصان الإمام، والجِمال وذلك في يوم العاشر من محرم، فأجاب إن استخدام الجمال لتمثيل قافلة آل الإمام وذلك من أجل استثارة العواطف الرقيقة لا يعتبر إشكالاً (46). على أن بعض علماء الشيعة الآخرين كانوا يتغاضون عن بعض الطقوس الفولكلورية الأخرى، بل إن المولوي أحمد أبو الحسن كشميري كتب يدافع عن استخدام الطبول في الحداد على الإمام (47). وقد بحث Ende في أن بعض العلماء العرب في الفترة الحديثة دافعوا عن الجلد بالسياط، واعترض بأن هذا يشجع على اشتراك جماعات كثيرة في طقوس محرم (48). وقد سمح سيد محمد بالجلد فقط في حالة نسيان الحزين لنفسه ، وقد دخل نوع جديد من الطقوس في إيران أواخر القرن الثامن عشر، بالأضافة إلى ما سبق في الحداد على الإمام، وهي ( التعزية )، وذلك هو تمثيل مسرحية تتضمن فصولاً عن مواكب العاشر من محرم، والمحزونون يمثلون الحسين وأعداءه. وهذا نوع من المسرح الفولكلوري، ولكن لم يكن هناك مثل هذه المسرحيات في أوَد في الفترة التي نتحدث عنها، بل كان أشراف الشيعة يرعون مسرحيات تمثَّل حول كريشنا Krishna، على الأسلوب الهندي. وربما ساعدت هذه العروض على نهضة المسرح التقليدي. وقد كانت الحكايات التي رواها الرحالة في البنغال وفي بيهار تظهر مستوى عالياً في التمثيل خلال شهر محرم، عن ذلك التمثيل في أوَد (49)، وقد أصدر العلماء في أوَد أحكاماً ضد مشهد يصور لوحات دينية كستارة خلفية للمسرح خلال مجالس الحداد (50). وقد كانت مواكب محرم تملأ المدن في أوَد بالحزانى ممن يجلدون أنفسهم .


(((((( مساهمة أشخاص من غير الشيعة في محرم ))))))


كانت ثقافة أوَد وهو مجتمع ما قبل الصناعي، تبيّن ميولاً للتكريس للخدمة الدينية، وقد كان بعض المتصوفين من المسلمين والهنود ينقلون رموزهم من جماعة إلى اخرى، وقد بدأت طقوس محرم في أوَد تمثل عاملاً وسيطاً في نقل هذه الرموز والأفكار بالنسبة لبعض الجماعات. وقد وجدت حدود بين بعض المجتمعات الدينية وحدثت مشاغبات بين الهندوس والمسلمين أو بين السنة والشيعة، إلاّ أن أولئك الوسطاء الثقافيين ربطوا بين الجماعات من الطبقات الشعبية إلى حد كبير، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (51). وقد كان المسلمون من السُّنّة في أوَد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يعقدون أيضاً مجالس الحداد ، ورغم أن السُّنة قد اشتركوا أحياناً في مواكب محرم فإنهم كانوا يختلفون عن الشيعة في بعض الطقوس، فمثلاً كانوا يرمزون إلى آل البيت بثلاثة أصابع بدلاً من خمسة كما كان يفعل الشيعة، ويقصد السنة بثلاثة أصابع تمثيل الخلفاء الثلاثة الأوائل (52). وبالنسبة إلى السنة في أوَد كان عليّ وبنوه عليهم السلام هم الأحقّ بالخلافة لا أن يكونوا هم الضحايا، وعلى الرغم من أن الصراع الشيعي ـ السني كان يحدث في مثل هذه المناسبات فقد كان سببه هو الفهم المختلف للخلفاء. ولم يكن هناك حديث طيّب عن الامويين، وربما كان ذلك كردّ فعل ضد الجو الشيعي في أوَد. وكان كل من السنة والشيعة نافرين من بعضهما وذلك في العقد الاول من القرن العشرين حتّى أن السنة الذين كانوا يحزنون على الحسين عليه السلام بدأوا يأخذون نصبهم التذكارية إلى أماكن أخرى غير أماكن الشيعة (53). ولقد كان الاكثرية من الهندوس أيضاً يشتركون في الحداد على الإمام الحسين عليه السّلام ، وكان الرحالة الإيراني شوشتري قد رأى الهندوس يحتفلون بمحرم في كل أنحاء شمال الهند في أواخر القرن الثامن عشر، وذكر في كتابه أن الأثرياء من الهندوس في دلهي كانوا يجدّون من أجل تشييد الإمام بارة، وكانوا يصومون خلال شهر محرم، ويلقون المراثي عن الإمام باللغات الهندية، الأردية، والفارسية، وكانوا يطعمون الفقراء. وكانوا يقيمون النصب التذكارية للإمام ويَنْحنون أمامها، إلا أنهم بعد العاشر من محرم كانوا يضعونها في النهر أو يدفنونها. وقد وجد « الشوشتري » في بعض ما فعله الهندوس من صوم مثلاً وتعذيب لأنفسهم خلال محرم، شيئاً غريباً جداً (54). وقد اتبعت طائفة الكاياستا Kayastha بشكل خاص العادات الإسلاميّة، نظراً لارتباطهم الطويل بالحكام المسلمين كمعاونين أو حُجّاب، وكان كثير من أفراد هذه الطائفة يبنون لأنفسهم الإمام بارة (55). وقد كتب روبرتس Roberts عن الهندوس واشتراكهم في طقوس الحداد على أبناء الحسين عليه السلام ، « فقد كانت أعداد كبيرة جداً من الهندوس تستمر في الحداد خلال العشرة أيام من محرم ويلبسون الثياب ذات اللون الأخضر ويظهرون بمظهر الفقراء » (56).، وقد أنفق الطاهي الهندي لدى « فاني باركر » Fanny Parker أربعين روبية على نصب من خشب البامبو للإمام، وقام بكل الطقوس التابعة لمحرم، ثمّ عاد إلى هندوسيته، بعد أن قدم النصب مع الأرز والقمح والزهور وأكواب الماء (57). كما أن الهندوس في المقاطعات التي كان يحكمها الهندوس في وسط وجنوب الهند كانوا يحتفلون بمحرم والمواكب الحسينية ، إلا إن البراهمة المتشددين كانوا يعارضون ذلك، ولكن بعضهم كان يحزن على الإمام الحسين عليه السلام ، وكانت حوادث الشغب تثار بين الهندوس والمسلمين في حيدر آباد التي يحكمها المسلمون وذلك خلال شهر محرم، وكان الهندوس الذين يشتركون في طقوس الحداد يقفون إلى جانب المسلمين ضد خصومهم (58). ولهذا فإن الهندوس لم يشتركوا فقط بشكل واسع في طقوس محرم، بل إنهم ساعدوا في التأثير على شكل هذه الطقوس في الهند وذلك بإضافة بعض الطقوس التي كان المسلمون حتّى من الطبقات الرفيعة يتّبعونها ، وذات مرة سأل أحدهم العلماء المجتهدين الكبار وذلك في أوائل عام 1830، عما إذا كان غير المؤمن يستطيع تقديم شيء من المال أو الأغراض من أجل الأئمّة وتوزيع الطعام على الفقراء المؤمنين خلال شهر محرم، فأجاب بأنهم يستطيعون ذلك إذا كان المضيف في مجلس الحداد قد طلب منهم ذلك (59). إن اشتراك كل من السُّنة والهندوس في طقوس محرم جعل هذه الشعائر عامة، وقد كان السنة في أوَد يحبون الحسين عليه السّلام ويذرفون الدموعَ على أحفاده، ما خفف المواقف الشيعية المتشددة تجاههم، أمّا الهندوس فقد كانوا يحتفلون بذكرى محرم أيضاً

((((( خاتمه )))))

كانت الطقوس في محرم تتألف من طقوس جماعية، وقد كان يشترك في بعضها أيضاً كثير من السنة والهندوس . وساعد آخرون في نشر المُثل الشيعية بين الجماعات وتعزيز الشبكات الاجتماعية المؤلفة من المؤمنين.. كما أن العنف الذي أحدثته ساعد في تقوية الصلابة الداخلية للشيعة ، وقد كانت ذكرى محرم بما تتضمنه من « حج » إلى النصب التذكارية للإمام تُظهر بوضوح أن البناء والهدم مترافقان، فمن ناحية نجد أن الفروق الاجتماعية كانت تنحلّ بشكل مؤقت وهذا ما تحدّث عنه فيكتور تورنر (60) ، Victor Turner فقد كان النخبة من الشيعة سواء من الرجال أو النساء يحطون من قدر أنفسهم وذلك لحرمانهم من الإمام، فكان الرجال يسيرون حُفاةَ الأقدام عراة الرؤوس تحت شمس لكنو الشديدة، أما السيدات فكن يلبسن الثياب المتّسخة لمدة عشرة أيام في الوقت الذي كان الطقس فيه يتطلب الاستحمام المتكرر ، كذلك فإن اشتراك طبقات أو طوائف متعددة ومجتمعات دينية مختلفة في هذه الطقوس حثت على الصراع والتناحر؛ نظراً لأن بعض السنة والهندوس كانوا معترضين بشدة عليها ، ورغم أن الأشراف أو نخبة القوم من الشيعة كانوا يستبعدون الطبقات الشعبية من الإمام بارة الخاصة بهم، ويجبرونهم على السير خلف أفيالهم في الموكب، إلا أن هذه الطبقات الشعبية كانت تعبر في كل يوم عن أحزانها ، كذلك فإن طبقة الأشراف من الشيعة كانوا يوزعون المال والهدايا خلال المواكب للتأكد من مشاركة الفقراء في الحداد على الحسين عليه السلام ، وقد كان بعض فقراء الصوفيين في بعض الأماكن ينظمون المواعظ وفي خلال هذه الاحتفالات كانوا يتسلمون الهبات (61). وقد صوّر بعض النخبة من الشيعة البريطانيّين المعتدين بأنهم مثل الشرير يزيد في حركة عصيان 1857 ـ 1858، وقد كان القرويون المسلمون أيضاً وهم أقلية يحيط بها الوثنيون، وكذلك كانت الجيوش الأموية تهاجم الحسين عليه السلام ويمكن تشبيههم بالهندوس (62). أما العمال والحرفيون والفلاحون فقد كانوا يعتمدون على سخاء الحكام الشيعة، وهذا الاعتماد شجع هذه الطبقات على الاشتراك مع الحكام في ممارساتهم الدينية ، وهكذا نشأ مجتمع شيعي فيه شبكات اجتماعية واسعة ، وفي أوائل القرن التاسع عشر أخذت جماعات أخرى كالسنة وبعض الهندوس تشترك في طقوس الشيعة ، ومع ذلك فقد استمر نمو المجتمع الشيعي وتطور إلى وضع سياسي وذلك في القرن العشرين (63).

عن: مجلة الموسم ، العدد 19، 1414 هـ / 1994 م ، ص 303 ـ 316


نقلا عن


موقع شبكة الإمام الرضا عليه السلام

-_-_-_-_-_-_-_-_-

تعليق
8-8-8-8-8-8-8

في وقت سابق أجرت فضائية العربيه مقابلة مع الشيخ حسن الصفار
وسُئِل عن نشأة اللطم والتطبير
فأجاب بأن الشيعه أخذوا اللطم والتطبير من الهنود
أما في المقاله السابقه والمنقوله عن مجلة الموسم في موقع شبكة الإمام الرضا عليه السلام
فقد تبيّن أن الهنودس هم من قلد الشيعه الهنود والإيرانيين
وليس كما قال الشيخ الصفار في فضائية العربيه
إن هذا التناقض لا يدع مجالا للشك
في مصداقية الرأيين والبحوث المتعلقه باللطم والتطبير
وإنها من المرات العديده التي يمارس فيها المسلمون عملا
لا تعلم حقيقة مصدره ونشأته وكيفية إنتقاله بين الأمم
وكل من تسأله في هذا الصدد يجيبك بالتخمينات
مما يستدعي التفكر وإعادة النظر في كل ما نقرأ ونسمع ونرى
من ممارسات تؤدى بإسم الإسلام والعقيده

UuUMUuUuUuUuUMUuU